ابن بسام
146
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فإنّ كلّ من اتصل به واعتصم بسببه ، وفاء عليه ظلّه الظليل ، وأحاط به فضله الجزيل ، فقد جمعني وإياه ذمام كبير وسبب موصول ، إذ أنا متمسّك من حبله بأوثق عروة ، ومستضيء من نوره بأنور جذوة . وله [ فصل ] من أخرى [ في مثله ] : قديما تواصل الناس على البعد ، وتهادوا ثمر الإخلاص والودّ ، وإن لم يتقدم سبب موجب للتواصل ، ولم / يرد رائد مقتض للتراسل ، وما أقول إنّ مخالطة [ 1 ] تمكنت [ 51 ب ] لا سبب لها ، ولا واسطة تمهّدت لا باعث عليها ، فإن توق النفس إلى استصفاء الفضلاء ، واقتناء مودّات الأوفياء [ 2 ] ، أقوى أسباب الارتباط ، وأدعى أبواب الاختلاط ، ومحال أن تنجذب [ 3 ] نفس ، إلى من ليس لها به أنس ، أو يكلف ضمير ، بمن ليس له منه حظّ موفور ، وقد تخلّت مخاطبتي لك من الأسباب إلا [ 4 ] من سبب المحبة فيك ، والمعرفة بجميل [ 5 ] مذاهبك ومساعيك ، والرغبة في اقتناء خلّتك ، وادّخار صداقتك ، لما شهر من أحوالك الجميلة ، وظهر من خلالك النبيلة ، ومن كان على ما أنت عليه ، فمرغوب [ 6 ] فيه منجذب إليه ، مطلوب إخاؤه ، مخطوب صفاؤه ، محبوب على البعاد ، مفدّى حتى من الأضداد . وفي فصل من أخرى [ في مثله ] : إن كانت المعرفة لم تحقّ ، فكم أثر أهدى من عين ، وكم خبر أغنى عن خبر ، ولئن كانت الألفة لم تسبق [ 7 ] ، فرب طارف حديث أكرم من تالد موروث ، وربّ مستفاد مكتسب ، أغبط من عتاد معتقب ؛ ووردني لك كتاب [ كريم ] نطق بلسان تفضّلك فأصغى هوى النفس إليه ، واستصفى مودّات القلوب لديه ، وقضى أنك عين الأعيان ، وفاضل الزمان ، والخاصّ بنوع الإنسان . / وفي فصل من أخرى : منابت الفضل باسقة الفروع ، حميدة الجميع ، طيّبة الجنى ، جميلة المخبر [ 8 ] والمرأى ، لا تطلع إلّا ما يبهج ، ولا تلقح إلّا ما
--> [ 1 ] ط د س : مخاطبة . [ 2 ] د ط س : الأولياء . [ 3 ] ب م : تتحدث . [ 4 ] د ط س : وما مخاطبتي لك إلا . [ 5 ] د ط س : بجميع . [ 6 ] ط د س : فهو مرغوب . [ 7 ] ب م : تستبق . [ 8 ] ط س : المجني ؛ د : المحيا .